في دبي التي تتبدل ملامحها العمرانية، وتتسع أسواقها جيلاً بعد جيل، تحتفظ بعض المطاعم الشعبية بمكانة تتجاوز حدود المذاق، لتصبح جزءاً من ذاكرة المدينة وحكايات أهلها. ومن بين هذه التجارب، يبرز مطعم بن عيد الشعبي، الذي يعتبر من أقدم المطاعم الشعبية في دبي، إذ ارتبط اسمه بحمد بن عيد المري (أبوسيف)، منذ عام 1978، حين دخل عالم المأكولات بإمكانات متواضعة، ومن دون خبرة سابقة، قبل أن يتحول مشروعه إلى محطة مألوفة في حياة أجيال من المواطنين والمقيمين والزوار.
وبعد ما يقارب نصف قرن من البدايات، لايزال «أبوسيف» متمسكاً بقناعته بأن نجاح مشروعه مرتبط بالمكان الذي انطلق منه، حتى إنه رفض عروضاً لافتتاح فروع خارج دبي، مفضلاً أن يبقى نشاطه مرتبطاً بالإمارة التي شهدت خطواته الأولى، مؤكداً لـ«الإمارات اليوم»: «تلقيت دعوة من أحد الأشقاء في قطر لافتتاح فرع للمطعم هناك، كما أتيحت لي فرصة مماثلة في رأس الخيمة، لكنني لم أفضّل التوسع خارج هذه المدينة، لأن دبي مبروكة، وكان الخير فيها ولايزال كثيراً ومباركاً».
حول البدايات
لم تكن المطاعم وجهة حمد بن عيد المري الأولى في حياته العملية، فقد عمل في هيئة حكومية بدبي قبل تقاعده، وخاض تجربة في شراء السيارات وبيعها، لكنه وجدها مهنة متعبة، فقرر البحث عن مسار آخر. وجاءت فرصته عام 1978، عندما كان يمتلك محلاً مؤجراً لملحمة تحمل اسم «نهاش» في شارع نايف، بالقرب من المركز، في عمارة عبيد بالعوض. ويتذكر أن مستأجر المحل أبلغه برغبته في إغلاق الملحمة، فقرر ألا يؤجره مجدداً، وأن يخوض بنفسه تجربة العمل التجاري في مجال الطعام، رغم محدودية خبرته وإمكاناته المالية. وكانت الخطوة مغامرة محسوبة بقدر ما أتاحته الظروف، لكنها فتحت أمامه باباً لمهنة رافقته لعقود.
وفي تلك البدايات، استفاد «أبوسيف»، بصورة عفوية، من الحضور الجماهيري للمسرحية الكويتية «باي باي لندن» ونجومية الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا، إذ ارتبط اسما «كافتيريا فتى الجبل» و«ملحمة نهاش» بأجواء العمل الشهير، ما أسهم في لفت الأنظار إلى المشروعين وجذب الزبائن.
وكانت الشاورما باللحم والدجاج، والبيض المسلوق، والمقليات، من الأصناف التي تلقى إقبالاً في تلك الفترة. ومع تحسن المردود المالي، بدأ المري يشتري المعدات الأساسية، ويتقدم في مشروعه تدريجياً، مستنداً إلى ما يحققه العمل من عائد يشجعه على الاستمرار.
محطة في الذاكرة
وقادت إقامة «أبوسيف» في منطقة الحمرية إلى فرصة جديدة، بعدما شاهد بالمصادفة محلاً معروضاً للإيجار، فقرر افتتاح مطعمه الشعبي فيه. غير أن هذه المحطة لم تستمر، إذ أُغلق الموقع لاحقاً بسبب أعمال التطوير العمراني التي شهدتها المنطقة.
ويعد المري تجربته من التجارب المبكرة التي قدمت نموذج المطعم الشعبي المتكامل في دبي، موضحاً أن المطاعم والمطابخ الصغيرة كانت موجودة آنذاك، لكن مشروعه اتخذ أسلوباً مختلفاً في تقديم الأطباق واستقبال الزبائن.
ولم يكن إقبال الناس على المطعم، بحسب روايته، منافساً للطعام المنزلي بقدر ما كان مكملاً له؛ إذ وجد كثيرون في الوجبات القريبة من مذاق أكل البيوت خياراً مناسباً، خصوصاً عندما تنشغل ربات الأسر عن إعداد الطعام. وهنا لم تكن المسألة مجرد وجبة جاهزة، بل محاولة لتقديم مذاق مألوف يستحضر شيئاً من المطبخ المنزلي خارج البيت.
مذاق إماراتي
وعلى امتداد سنوات عمله، استقبل مطعم بن عيد الشعبي زبائن من خلفيات وجنسيات متعددة، من المواطنين والمقيمين إلى زوار من السعودية وقطر والبحرين والعراق، وجنسيات عربية وأجنبية كثيرة، ومع هذا التنوع، ظل المري حريصاً على ما يراه جوهر هوية مطعمه، وهو المذاق الإماراتي. وأضاف أن بعض الزبائن السوريين والعراقيين اقترحوا عليه إضافة أصناف جديدة إلى القائمة، لكنه لم يأخذ بهذه المقترحات، مفضلاً الحفاظ على الطابع الذي تأسس عليه المطعم. وبالنسبة إليه، لم يكن التنوع في جنسيات الزبائن سبباً للتخلي عن هوية المكان، بل فرصة لتقديم مذاق محلي إلى جمهور أوسع، مشيراً إلى أن أحد أبناء خالته خاض تجربة مشابهة في السعودية، وافتتح مطعماً على النهج نفسه، وحقق نجاحاً جيداً، لكنه يؤكد أن ذلك المشروع مستقل، وليس فرعاً تابعاً لمطعم بن عيد الشعبي.
عملاء تحوّلوا إلى حكايات
لا يستعيد المري تاريخ المطعم من خلال الأطباق والمواقع وحدها، بل من خلال الوجوه والعلاقات التي تشكلت حول موائده، إذ اعتاد تجار وشخصيات مجتمعية من داخل الإمارات وخارجها زيارة المكان، وأسهم حضورهم في انتشار سمعته، لكنه يفضل عدم الكشف عن أسماء أبرز الشخصيات التي استقبلها.
كما ارتبط المطعم بذكريات رياضية، إذ اعتاد عدد من لاعبي وإداريي النادي الأهلي سابقاً، وشباب الأهلي حالياً، زيارته بعد المباريات لتناول الطعام. وامتدت علاقته الرياضية إلى نادي الوصل، من خلال توفير الوجبات وتوصيلها في المناسبات والاحتفالات، خصوصاً بعد الانتصارات والبطولات.
وشدد على أن المواقف التي يعتز بها لا ترتبط بالأسماء المعروفة وحدها، بل بالتفاصيل اليومية التي صنعت الثقة بينه وبين زبائنه، إذ كان بعضهم يتصل للاعتراض على برودة الطعام أو زيادة الملح أو قلته، فيبادر إلى إرسال وجبات بديلة على نفقة المطعم، حتى إن لم يطلب الزبون ذلك، ويستعيد بعض هذه المواقف، قائلاً: «كنا نعرف زبائننا وأماكنهم، وإذا اشتكى أحدهم من الطعام نذهب إليه ونقدم له البديل، لأننا لا نريد أن ينام وهو (زعلان علينا)». وفي هذه العبارة تتجلى فلسفة عمل لا تقف عند حدود معالجة شكوى، بل تقوم على علاقة شخصية مع الزبون، وعلى اعتبار رضاه جزءاً من مسؤولية صاحب المطعم. وهي علاقة يصعب اختزالها في عملية بيع وشراء، لأنها تتشكل بالتكرار والمعرفة والحرص على ألا تنتهي الزيارة بتجربة غير مرضية.
جائحة غيّرت الحسابات
مع مرور السنوات، اتسع نشاط المطعم حتى وصل إلى خمسة فروع في مناطق مختلفة من دبي. لكن تداعيات جائحة كورونا دفعت المشروع إلى تقليص عدد فروعه، في وقت أسهم فيه انتشار تطبيقات طلب الطعام وخدمات التوصيل في تغيير طرق وصول المطاعم إلى زبائنها.
وخاض المري أيضاً تجربتين في القرية العالمية بدبي، من خلال كافتيريا متنقلة حملت اسم «زاد زون»، لاقت إعجاب الزوار، موضحاً أن المشاركة لم تكن مدفوعة بالسعي إلى الربح بقدر ما كانت رغبة في الحضور ضمن فعالية عالمية تحتضنها دبي، وتجمع ثقافات وتجارب متنوعة.
وبين التوسع والتراجع، ظل ارتباط المري بالمكان حاضراً، فهو لايزال يزور منطقة سوق نايف في معظم أيام الأسبوع، مستعيداً صلته بالموقع الذي شهد واحدة من أهم محطات بداياته التجارية.
مصداقية الإعلان
ورأى المري أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت أداة مؤثرة في تعريف الجمهور بالمطاعم، وتوسيع دائرة انتشارها، لكنه يتحفظ على ممارسات بعض المؤثرين والمعلنين الذين يبالغون في الإشادة بمطاعم معينة، من دون أن تعكس آراؤهم بالضرورة مستوى الطعام أو الخدمة، محذراً من أن المبالغة الدعائية قد تخل بعدالة المنافسة بين أصحاب المطاعم، وتضعف ثقة الجمهور بالتقييمات المنشورة، مشدداً على أهمية الصدق في الإعلان، وعدم تضليل المتابعين لتحقيق مكاسب تجارية.
وتكشف هذه النظرة عن تمسكه بمعيار مختلف للشهرة، فسمعة المطعم، في تجربته، لا تُبنى على حملة دعائية عابرة، بل على ما يختبره الزبون بنفسه، وما ينقله إلى الآخرين من خلال تجربته المتكررة.
سر البقاء
ويضع «أبوسيف» المتابعة اليومية في صدارة أسباب نجاح مشروعه، إذ كان يحرص على الحضور شخصياً لمراقبة جودة الطعام ومستوى الخدمة. ومع تطور وسائل العمل، أتاحت كاميرات المراقبة والتقنيات الحديثة متابعة جوانب من النشاط عن بُعد، لكن اهتمامه بالتفاصيل ظل قائماً.
وعلى الرغم من امتلاكه مطعماً، يفضّل تناول الغداء في المنزل مع أسرته، كما يحرص
على ممارسة الرياضة لأهميتها في المحافظة على الصحة. أما أبناؤه، فقد اختاروا الاستمرار في وظائفهم ومجالات العمل التي يحبونها، ولم يتجهوا إلى مهنة المطاعم، رغم ما يمكن أن تحققه من عوائد مالية، فيما خاض أحد أفراد العائلة تجربة في هذا المجال.
وعن نصيحته إلى الشباب الراغبين في تأسيس مشروعاتهم الخاصة، دعاهم إلى الصبر وعدم الاستسلام أمام الصعوبات، في ظل المنافسة التي تشهدها مختلف المهن والقطاعات. فالنجاح، كما يراه، لا يتحقق بمجرد دخول السوق، بل يحتاج إلى عمل جاد واستمرار وقدرة على الحفاظ على مستوى الخدمة، مؤكداً أن الربح ليس أولويته، وأن الجودة تظل الأساس الذي يضمن استمرار أي مطعم، بدءاً من اختيار الذبائح والمواشي الجيدة والأصلية، وصولاً إلى نوعية المكونات وطريقة إعداد الوجبات وتقديمها. وأردف: «لا أبحث عن المواد الرخيصة، بل عن الجودة، لأنها أساس نجاح المطاعم، ومن يلتزم بالجودة والصبر وإرضاء الناس فإن فرص نجاحه ستكون كبيرة جداً».
شهادة نصف قرن
بعد نحو نصف قرن، تبدو حكاية حمد بن عيد المري أكثر من سيرة مشروع تجاري بدأ بإمكانات محدودة؛ إنها شهادة على علاقة تشكلت بين مطعم ومدينة، وبين مذاق مألوف وذاكرة اجتماعية، وعلى قناعة صاحبها بأن النجاح لا يقاس بعدد الفروع وحده، بل بقدرة المكان على الاحتفاظ بثقة الناس، جيلاً بعد آخر.
• أنصح الشباب الراغبين في تأسيس مشروعاتهم الخاصة بالصبر وعدم الاستسلام أمام الصعوبات.











0 تعليق